معظم الأهل الذين يأتون إليّ لا يحملون قائمة معايير، بل يحملون شعورًا. إحساسًا صغيرًا مُلحًّا بأن ثمة شيئًا مختلفًا قليلًا، وهم غير متأكدين إن كان عليهم البوح به.
إن كان هذا حالك، أود أن أبدأ بما أقوله لكل عائلة في ذلك الحديث الأول: القلق ليس تشخيصًا، والملاحظة المبكرة ليست خطأً أبدًا. والأطفال الذين يحرزون أفضل تقدّم نادرًا ما يكونون أبناء من انتظروا حتى يتيقّنوا، بل أبناء من وثقوا بالشعور وسألوا.
فلنتحدث إذًا عمّا يعنيه تأخر الكلام فعلًا، وكيف تبدو العلامات الهادئة قبل أن يستخدم أحدٌ كلمة طبية.
ماذا يعني "تأخر الكلام" حقًّا
الطفل متأخر الكلام عادةً صغير بين 18 و30 شهرًا يفهم أكثر بكثير مما يستطيع قوله. الفهم موجود، لكن الكلمات بطيئة في اللحاق. هؤلاء أطفال أذكياء فضوليون لم يجدوا بعد باب اللغة المنطوقة، وجزء كبير من عملي هو مساعدتهم على إيجاده بلطف.
من المفيد معرفة الشكل التقريبي للتطور المعتاد، لا كاختبار يجب اجتيازه، بل كخريطة:
- في عمر 12 شهرًا، يملك كثير من الأطفال كلمة أو كلمتين ويشيرون ليُروك الأشياء.
- في عمر 18 شهرًا، غالبًا ما بين 10 و20 كلمة، ويقلّدون الأصوات والإيماءات.
- في عمر سنتين، كثيرًا 50 كلمة أو أكثر، وبدايات عبارات من كلمتين مثل "حليب أكثر" أو "بابا راح".
هذه ليست مواعيد نهائية. فالأطفال يصلون وفق جدولهم الخاص. لكن إن تجاوز طفلك هذه العلامات بكثير وشعرتِ أن الفجوة تتّسع لا تضيق، فهذا يستحق حديثًا.
العلامات التي يسهل إغفالها
العلامات الصاخبة تُلاحَظ. أما الهادئة فهي سبب انتظار العائلات أحيانًا عامًا أطول مما كان يلزم. وإليك ما أطلب من الأهل بلطف أن يراقبوه:
- نادرًا ما يشير طفلك ليشاركك شيئًا يجده ممتعًا، بل فقط ليطلب ما يريد.
- لا يقلّدك كثيرًا، لا أصواتك، ولا إيماءاتك، ولا الوجوه الطريفة التي ترسمينها.
- يستخدم عددًا قليلًا جدًا من الأصوات الساكنة المختلفة، فتخرج معظم الكلمات متشابهة.
- يبدو أنه يفهم، لكنه يمدّ يده، أو يقودك بيدك، أو يبكي بدل أن يحاول نطق كلمة.
- بدأ آخرون، ممن يحبون طفلك لكن يرونه أقل، يطرحون أسئلة هادئة أيضًا.
الفهم هو التربة، والكلمات هي ما ينبت منها. وحين يفهم الطفل لكنه لا يتكلم، فمهمتنا نادرًا ما تكون تعليم الكلمات، بل جعل الكلام يبدو آمنًا ويستحق العناء.
ما يمكنك تجربته في المنزل، ابتداءً من اليوم
لا تحتاجين إلى انتظار موعد لتبدئي المساعدة. أقوى تدخل مبكر ليس برنامجًا، بل طريقتك في الحديث واللعب أصلًا، مع ضبطٍ بسيط.
انزلي إلى مستواه
اجلسي على الأرض، وجهًا لوجه. حين تكون عيناك بمستوى عينيه، تصل كلماتك بشكل مختلف. يستطيع أن يراقب فمك، والمراقبة أول خطوة نحو التقليد.
قولي أقل، وأكّدي أكثر
بدلًا من "هل تريد أن أعطيك الكرة الحمراء يا حبيبي؟" جرّبي "كرة. كرة حمراء." قصيرة، دافئة، مكررة. فالطفل الذي يمدّ يده نحو كلماته الأولى لا يستطيع انتشالها من جملة طويلة.
اتبعي، ولا تقودي
لاحظي ما ينظر إليه طفلك أصلًا، وسمّيه. فكلمة الشيء الذي يهتم به الآن هي الأرجح أن ترسخ.
اتركي الفجوة
هذه التي يخبرني الأهل أنها غيّرت كل شيء. بعد أن تقولي شيئًا، توقفي. عدّي إلى عشرة في سرّك. ذلك الصمت دعوة، وكثير من الأطفال يخطون إليها حين نكفّ عن ملئها عنهم.
متى تتواصلين
ثقي بالشعور الذي جاء بك إلى هنا. إن تجاوز طفلك السنتين بكلمات قليلة جدًا، أو لم يبدأ بدمج الكلمات نحو عمر السنتين والنصف، أو شعرتِ أن الفجوة تتّسع، أو لم يهدأ حدسك ببساطة، فلنتحدّث رجاءً. الحديث الأول لا يكلّف شيئًا ولا يطلب منك سوى الصدق.
لن أناولك تشخيصًا وأرسلك إلى بيتك أبدًا. نبدأ بالإصغاء، لطفلك ولك، ثم نضع معًا خطة صغيرة لطيفة. أحيانًا تغادر العائلات مطمئنة، وأحيانًا نبدأ رحلة. وفي الحالتين، ستعرفين أكثر مما كنت تعرفين، والمعرفة بحد ذاتها راحة.
